وإن اعوجَّ لم تُغنِ عنه قوةٌ ولا علمٌ ولا جاه
لطالما ظن الناس أن خراب القلوب لا يكون إلا بمعصيةٍ ظاهرة، أو ذنبٍ عظيم، أو جريمةٍ تُزلزل الضمير، وما علموا أن أكثر القلوب لا تموت بضربةٍ واحدة، وإنما تذبل كما تذبل الوردة إذا انقطع عنها الماء قطرةً بعد قطرة فلا يشعر صاحبها بما أصابها حتى يرى نفسه وقد فقد لذة العبادة، وثقل عليه الذكر، واستوحش من الخلوة، وأصبح يضحك بلسانه، بينما يبكي قلبه في صمت
إن القلب لا يفسده شيء كما يفسده الاعتياد؛ اعتياد الغفلة حتى تصبح الغفلة وطنًا، واعتياد اللهو حتى يغدو الجد ثقيلًا، واعتياد الركض خلف الدنيا حتى ينسى الإنسان أنه لم يُخلق لها، وإنما خُلقت له امتحانًا
ومن أجل ذلك نبَّه الإمام ابن قيم الجوزية، رحمه الله، إلى خمسة أبواب إذا تُركت مفتوحة، دخل منها الخراب إلى القلب دون استئذان وليس لأنها كلها محرمة، بل لأن النفوس إذا جاوزت حدَّ الاعتدال انقلبت النعمة عليها نقمة، وصار الدواء داءً، والراحة تعبًا، والأنس وحشة
ولعل أعجب ما في هذه المفسدات أنها تبدأ صغيرة، حتى يظن المرء أنه قادر على الرجوع متى شاء، ثم لا يلبث أن يجدها قد أحكمت قبضتها على قلبه، حتى صار الغريب هو نفسه، والغائب هو قلبه
أولًا: كثرة مخالطة الناس ضجيجٌ يسرق صوت القلب
خلق الله الإنسان اجتماعيًا، لا يستطيع أن يعيش وحده، وجعل في الاجتماع مصالح لا تقوم الحياة إلا بها؛ من صلة الرحم، والتعاون، والأمر بالمعروف، وطلب العلم، وقضاء الحاجات. ولكن كل نعمة إذا خرجت عن حدها انقلبت إلى ضدها وليس المقصود بكثرة المخالطة عدد الأشخاص الذين نلقاهم، بل مقدار ما يستولي الناس به على قلوبنا
كم من رجلٍ يعيش في مدينة مزدحمة، لكنه يحمل في صدره قلبًا هادئًا لا يدخله إلا من أحب الله. وكم من آخر يجلس في غرفته وحده، وقلبه مزدحم بمئات الوجوه، وآلاف الكلمات، وملايين المقارنات لقد أصبح الناس اليوم يسكنون جيوبنا قبل أن يسكنوا مجالسنا. يكفي أن يفتح المرء هاتفه حتى تنهال عليه حياة الآخرين؛ أفراحهم، وأرزاقهم، وأسفارهم، وآراؤهم، وخصوماتهم، حتى لم يعد يدري أين تنتهي حياتهم وأين تبدأ حياته وهنا يبدأ القلب بالتعب
فإن القلب، مهما بلغت قوته، ليس مخلوقًا ليحمل هموم الدنيا كلها. فإذا ازدحم بأخبار الخلق، ضاق عن ذكر الخالق وليس أخطر ما في كثرة المخالطة أنها تسرق الوقت، بل أنها تسرق الصفاء. فالإنسان إذا أكثر من مخالطة الناس، أخذ من طباعهم دون أن يشعر، وتأثر بأخلاقهم دون أن ينتبه، وربما استيقظ يومًا فإذا هو يشبه من كان بالأمس يستنكر أفعاله
ولهذا كان السلف يفرون من فضول المجالس، لا كراهيةً للناس، ولكن رحمةً بقلوبهم
فالقلوب كالمرايا، وما أكثر الأنفاس التي تمر عليها في كل يوم، حتى يتراكم عليها غبارٌ يحجب انعكاس النور
إن الخلوة ليست هروبًا من الحياة، وإنما عودة إليها بقلبٍ أنقى ومن أراد أن يحفظ قلبه، فليتعلم أن يقول: لا
لا لكل مجلسٍ لا يزيده خيرًا، ولا لكل حديثٍ يورثه قسوة، ولا لكل علاقةٍ تستنزف روحه أكثر مما تبعث فيها الحياة
“ليس كل من طرق باب قلبك يستحق أن تفتح له، فبعض الضيوف يرحلون، ويتركون الفوضى خلفهم.”
ثانيًا: التمني العمر الذي نعيشه في الخيال
ما أكثر الذين يعيشون أعمارًا طويلة، وما أقل الذين يعيشون حياةً حقيقية فمن الناس من يسكن المستقبل أكثر مما يسكن الحاضر. يبني القصور في خياله، ويؤلف الحكايات، ويمنح نفسه نجاحات لم يصنعها، حتى إذا عاد إلى واقعه وجده كما تركه، لم يتغير فيه شيء إلا أن الزمن قد مضى
وليس التمني أن يحلم الإنسان؛ فإن الحلم بداية كل إنجاز، وإنما التمني أن يكتفي بالحلم، حتى يصبح الخيال بديلًا عن السعي إن الوهم يمنح الإنسان لذةً مجانية، ولهذا يُغريه بالبقاء فيه فالذي يتخيل نفسه عالمًا، قد يشعر بنشوة العلم دون أن يفتح كتابًا. والذي يتخيل نفسه ناجحًا، قد يذوق لذة النجاح دون أن يتحمل مشقة الطريق
وهكذا يسرق التمني من الإنسان أجمل سنواته، ثم يتركه في آخر العمر ينظر خلفه فلا يرى إلا ما كان يستطيع أن يفعله، ولم يفعل إن الحياة لا تكافئ الأمنيات، وإنما تكافئ الخطوات
وكم من رجلٍ سبق أصحاب المواهب لأنه بدأ، وكم من عبقري بقي مكانه لأنه ظل ينتظر اللحظة المثالية
فإذا خطر بقلبك حلمٌ جميل، فلا تُكثر من تخيله، بل أكثر من العمل له؛ فإن الأحلام التي تُسقى بالعمل تزهر، والتي تُسقى بالأماني تذبل قبل أن تولد
“الأمنية التي لا يعقبها عمل، ليست إلا وسادةً ينام عليها الكسل.”
ثالثًا: التعلق بغير الله حين يبحث القلب عن الخلود في الفناء
ما خُلق القلب إلا ليعرف الله
فإذا جعل الإنسان قلبه أسيرًا لمخلوق، فقد وضعه في غير موضعه، كمن يغرس شجرةً في الصخر ثم يتعجب لماذا لم تُثمر ليس التعلق محبةً فقط، بل هو أن تجعل سعادتك معلقةً بشخص، أو رزقك معلقًا بوظيفة، أو قيمتك معلقةً بمديح الناس، أو طمأنينتك معلقةً بسببٍ من أسباب الدنيا
وحين يفقد الإنسان ذلك الشيء، يشعر وكأن الدنيا كلها قد سقطت فوق صدره ولم يكن الألم في الفقد وحده، وإنما في أنه جعل ما يفنى يقوم مقام الباقي
إن الله وحده هو الثابت في عالمٍ يتغير
الوجوه ترحل، والأموال تزول، والمناصب تنتقل، والأيام لا تثبت على حال فكيف يطمئن قلبٌ ربط حياته بما كتب الله عليه الزوال؟ إن المؤمن يحب الناس، لكنه لا يعبد محبتهم
ويعمل للأسباب، لكنه لا يعبد الأسباب
ويفرح بالعطاء، لكنه يعلم أن المعطي هو الله
فإذا أُغلق باب، أيقن أن مفاتيح السماء لا تنفد
“كل قلبٍ امتلأ بالله، صغرت في عينه الدنيا، وكل قلبٍ امتلأ بالدنيا، ضاق ولو مُلئت يداه بها.”
رابعًا: الشبع حين تثقل اللقمة جناحي الروح
ليس الطعام عدوًا للإنسان، وإنما عدوه أن يتحول إلى غاية
فإن الجسد إذا اعتاد الامتلاء، ثقلت عليه الطاعة، وضعفت عزيمته، وصار يطلب الراحة في كل حين وليس الأمر مقصورًا على الطعام، بل كل شهوة إذا لم تُضبط بالعقل والإيمان، استعبدت صاحبها إن النفس كالطفل؛ إن أعطيته كل ما أراد، لم يعرف حدًا لرغباته ولهذا كان الاعتدال بابًا من أبواب الحرية فالذي يملك شهوته، أقوى ممن يملك الدنيا كلها
وكم من إنسانٍ ظن أن السعادة في كثرة ما يأكل، ثم اكتشف أن أثقل ما يحمله في حياته هو نفسه لقد علّمنا الإسلام أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنأكل وأن يكون الجسد مركبًا للروح، لا سجنًا لها
“حين تمتلئ المعدة، قد يشبع الجسد، لكن القلب يحتاج إلى شيءٍ آخر لا يُؤكل.”
خامسًا: كثرة النوم العمر الذي يذوب في السكون
ما أقصر الحياة!
ولو أن الإنسان رأى عمره مجتمعًا أمام عينيه، لعلم أن كل ساعةٍ تضيع لا يمكن أن تُستعاد وليس النوم مذمومًا، فهو راحةٌ جعلها الله لعباده، ولكن الراحة إذا زادت على قدرها، انقلبت كسلًا إن كثرة النوم لا تُميت الوقت فحسب، بل تُميت الهمة فالذين اعتادوا أن ينهضوا مع الفجر، يعرفون أن للصبح روحًا لا تُدركها العيون التي لا تستيقظ إلا بعد ارتفاع الشمس في تلك الساعات الأولى، يكون القلب أخف، والعقل أصفى، والرزق أقرب، والبركة أوسع أما الذي يعتاد تأجيل يومه إلى ما بعد النهار، فإنه كثيرًا ما يقضي بقية يومه يطارد ما فاته إن العمر ليس فيما عشته، بل فيما عمرته بالطاعة، والعلم، والعمل، والإحسان
“ليست الخسارة أن يمر يومٌ من عمرك، وإنما أن يمر ولا يترك في قلبك أثرًا.”
خاتمة تنظيف القلب قبل أن نلوم الظلام
لسنا بحاجةٍ في كل مرة إلى أن نغيّر العالم من حولنا، بل ربما كنا بحاجةٍ إلى أن ننفض الغبار عن قلوبنا
فالقلب إذا صلح، رأى في البلاء حكمة، وفي الوحدة أنسًا، وفي الذكر حياة، وفي الطاعة راحة أما إذا فسد، فلن تشبعه الدنيا كلها فليجلس كل واحدٍ منا مع قلبه ساعةً صادقة، لا يسأل فيها: ماذا أملك؟
بل يسأل: ماذا يملك قلبي؟
فإن كان الذي يملكه هو الله، فقد ملك كل شيء، وإن كان الذي يملكه غيره، فقد خسر وإن ظن أنه ربح
وما رحلة الإيمان إلا رحلةُ قلبٍ يعود كل يوم إلى ربه، كلما أبعدته الدنيا، فيغسل عنه غبارها، ويستأنف السير، حتى يلقى الله بقلبٍ سليم، لا يثقله إلا شوق اللقاء، ولا يسكنه إلا نور اليقين



بارك الله فيك 🤍
مقال اكثر من رائع جزاك الله عنا كل خير يارب