منذ رحلت جدتي، والبيت لم يعد كما كان؛ الجدران هي ذاتها، والأبواب لم تتغير، لكن الدفء انحسر، والحنان الذي كنا نستشعره بوجودها قبل أن نخاطبها قد اختفى. كنا إذا تكلمت أنصتنا بحب، كانت الحروف تخضع لها ويزداد حديثها عذوبة دون انقطاع
كانت روح المكان، واليد التي تعطي دون سؤال؛ كانت كريمة، لينة، وطيبة الخاطر. لا زلت أعيش حالة من عدم التصديق، ففقدها كالغصة التي استقرت داخلنا ، لكن لا تخرج. أفتقد "عتبها" حين أغيب عنها؛ لم أكن أظن يوماً أن العتب الصادق يمكن أن يتحول بعد الفقد إلى ذكرى موجعة أشتاق إليها
أفتقد صوتها وضحكتها، أفتقد جلوسها ومكان صلاتها. أشعر أنني لم أشبع من القرب منها كما ينبغي، وهي التي ربّتني واحتضنت طفولتي، وكانت جزءاً من تفاصيل أيامي الأولى
كانت جدتي "بيتاً كاملاً من الرحمة"؛ ربّت أبناءها، ثم امتد حنانها إلينا نحن الأحفاد. كبرنا ونحن نرى في يدها السخاء فعلاً قبل أن نسمع عنه قولاً. لم تكن تردّ محتاجاً، ولم تكن تبخل بعطاء على أحد، حتى مع العاملات؛ كانت تمنحهنّ من طيب قلبها قبل أن تعطيهنّ بيديها
كان وجهها بشوشاً دائماً، وضحكتها تسبق كلماتها. لم يكن حضورها في البيت مجرد وجودٍ عادي، بل كان طمأنينة تسكن الأركان كلها. برحيلها، انطفأ نورٌ من زوايا البيت، وصار المكان أهدأ مما ينبغي، والفراغ يسكن الزوايا التي كانت تضجّ ببركتها
تستوقفني ذكراها في أصغر التفاصيل: في مكان جلوسها، في سجادة صلاتها، وفي صدى صوتها الذي كنا نسمعه كل يوم دون أن نتخيل أنه قد يصمت يوماً
وعندما أُتي بجنازتها، جلستُ عند قدميها ونظرتُ إليهما طويلاً، كأنني أبحث فيهما عن الطريق الذي كان يقودني إليها دائماً. قبّلتهما واعتذرتُ في صمتٍ عن تلك الأيام التي مرّت دون أن أزورها فيها كما يجب، متمنيةً لو أن اعتذاري يصل، ولو أن الزمن يعود ولو للحظة واحدة
رحلت وتركت في قلوبنا فراغاً لا يملأ، وذكرى لا تغيب. بقي صوتها في الذاكرة، ووجهها البشوش في المخيلة، وعتبها الذي صرتُ أشتاق إليه بقدر شوقي إليها
أدركتُ متأخرة أن بعض القلوب كانت لنا نعمة عظيمة، لكننا لا ندرك قيمتها حقاً إلا حين يترك غيابها في أيامنا صمتاً طويلاً وموحشاً
رحمكِ الله يا جدتي، وجعل لقاءنا بكِ في جنات النعيم


كم لامست قلبي هاته الكلمات و كأنك كتبتها نيابة عني قرأتها و قد سبقتني دموعي مع اول كلمة، انه اليوم ال24دون سماع صوت جدتي دون مناداتها لي اسأل الله ان يرحمها و يسكنها جناته 😔🤍
أدركتُ متأخرة أن بعض القلوب كانت لنا نعمة عظيمة، لكننا لا ندرك قيمتها حقاً إلا حين يترك غيابها في أيامنا صمتاً طويلاً وموحش
عميقة جداً