مُنذ الصغر، تعلّمنا ما لُقِّنَّاه، وردّدنا ما قيل لنا، ظنًّا منا أن الحياة سهلة الحفظ، بسيطة الفهم ,و رسمنا أحلامًا ورديّة، وخطّطنا لدروبٍ مستقيمة، وكأن السعادة تُختصر في نهاية واحدة وحين بلغنا المراهقة، بدأ الحجاب يُزاح عن عيوننا قليلًا و أيقنّا أن الحياة ليست كما تصوّرناها يومًا ثم إذا بنا نبلغ سنّ الرشد، ونقف في مفترق الطرق، نُبصر كيف تمضي بنا الحياة رويدًا رويدًا، تُربّينا ونحن نظن أننا نُديرها تُشبِه الحياة متاهةً مُتراميةَ الأطراف، لا خرائطَ تهدي، ولا علاماتٍ تُنذِر نمضي فيها خطوةً بخطوة، نتعثّر حينًا، وننهض حينًا آخر نتّبع حدسنا، أو نخدع أنفسنا بأنه هي البوصلة، بينما نُدرك في داخلنا أننا تائهون
لماذا نمشي كثيرًا ونحن لا نعرف إلى أين؟
نُصبح نظن أن الحركة ستنقذنا من الركود، وأن أي طريق ولو كان غامضًا، خيرٌ من البقاء في مكانٍ يوجعنا ,نمشي بحثًا عن معنى، عن مهرب، عن وجه يشبهنا أو صوتٍ يطمئننا ,نمشي لأننا نخاف من التوقّف، من المواجهة، من أن ننظر خلفنا فنكتشف أننا لا نملك شيئًا سوى أرواحٍ مُنهكة نمشي لأن فينا رجاء خفيّ، أن النهاية مهما تأخرت ، ستُبرّر هذا السير الطويل
لماذا نُجاهد في البقاء في طرقٍ نشعر فيها بالاختناق؟
هل لأننا نخشى الخروج أكثر مما نخشى البقاء.
نتمسّك بما اعتدنا عليه، حتى وإن كان يُنهكنا، فقط لأن المجهول يُرعبنا,نظن أحيانًا أن التغيير خيانة، أو أن الانسحاب ضعف،
فنُقاوم، ونُجامل، ونتنفس بصعوبة في أماكن ضيقة لا تُشبه أرواحنا,نُجاهد لأننا طيّبون أكثر مما ينبغي،ونُصدّق أن الصبر وحده يكفي، متناسين أن الراحة حق، لا ذنب,نُجاهد لأن في أعماقنا أمل خافت… أن يزهر هذا الطريق، ولو بعد حين,
لكن الحقيقة؟
بعض الطرق لا تُزهر، وبعض الأماكن خُلقت لنعبرها، لا لنسكنها نمشي بين الدروب، نُقابل أناسًا يشبهوننا، وآخرين يُربكون مسارنا نعيش لحظاتٍ نظنها النور، ثم يلتفّ الظلام حولنا من جديد كلّ طريق نظنه النهاية، ما هو إلا بداية لمتاهة جديدة ليست الحياة كما صوّروها لنا في القصص؛ليست خطوطًا مستقيمة، ولا دروبًا مفروشة باليقين بل هي زوايا حادّة، وقراراتٌ فجائية، وخيارات يختبئ فيها الكثير من “لو” و”ليت”
فهل كُنّا نبحث عن الطريق… أم كُنّا نبحث عن أنفسنا؟
نُدرِك أحيانًا أننا لسنا بحاجة إلى طريقٍ واضح بل إلى قلبٍ يؤمن، وعقلٍ يَفهم أن التوهان ليس ضعفًا، بل مرحلة فحتى القمر يُغيّبه الغيم، لكنه يعود والشمس تأتي بعد يومٍ مُظلم
ألسنا نحن من صاغ المتاهة في داخلنا، ثم شرعنا نُحاول فهمها وكم مرة ضللنا الطريق في أنفسنا قبل أن نضلّه في الحياة؟
في متاهات الحياة، لا نضلّ دائمًا لأننا غافلون،
بل أحيانًا لأننا أوفياء لطرقٍ لم تُخلق لنا،
أو لأننا علّقنا قلوبنا بأناسٍ لم يكونوا وجهتنا،
أو لأننا صدّقنا وعودًا بُنيت على رمال متحرّكة.
نكبر مع خيباتنا، نُرمّم أنفسنا ببطء،
نصنع من كُل انكسار بابًا لفهمٍ جديد،
ونُدرك أن الألم ليس دائمًا عدوّنا، بل رفيقُ التغيير
هل كنا بحاجة لهذا الضياع كي نُبصر !وهل كل خطوة خاطئة كانت لعثراتنا أم لنهتدي أكثر؟


