إن تطأ أقدامنا العقد الثاني من العمر حتى يبدأ العالم بإلقاء أسئلته علينا؟
ما تخصصك؟
أين ستعمل؟
متى ستتزوج؟
ما خطتك؟
ما مشروعك؟
وأين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟
تتوالى الأسئلة حتى يخيل إلينا أن للعشرين موعدًا نهائيًا ينبغي أن نصل إليه، وأن التأخر عن أي محطة يعني أننا خسرنا السباق لكن أحدًا لا يخبرنا أن العشرين ليست مرحلة للإجابات، بل مرحلة للأسئلة
ولا أحد يخبرنا أن أكثر ما يرهق الإنسان في هذه السنوات ليس قلة الفرص، بل كثرة الاحتمالات
فالإنسان يقف أمام عشرات الطرق، وكل طريق يناديه، وكل قرار يبدو وكأنه سيحدد بقية عمره. يخاف أن يختار، ويخاف أكثر أن يختار خطأ. فيؤجل، ويتردد، ويقضي سنوات وهو يحاول أن يضمن المستقبل، بينما المستقبل بطبيعته لا يُضمن
أظن أن أكثر ما يُهدر في العشرين ليس المال، ولا الوقت.
بل المشاعر
نهب قلوبنا لكل شيء
نحزن كما لو أن الحزن سيبقى إلى الأبد، ونفرح كما لو أن الدنيا توقفت عند لحظة، ونغضب حتى نستنزف أرواحنا، ونخاف من الغد كأننا نملكه
نتعلق بالأشخاص بسرعة، ونمنحهم مساحات واسعة داخلنا، ثم نكتشف أن بعضهم كان مجرد عابر طريق
نقارن أنفسنا بالآخرين حتى نصبح غرباء عن أنفسنا
نقيس أعمارنا بالإنجازات، لا بالنضج
ونحسب أن العمر يمضي ضدنا، بينما الذي يمضي في الحقيقة هو سلامنا الداخلي
في العشرين يظن الإنسان أنه تأخر
يرى زميلًا تخرج قبله، وآخر وجد وظيفة، وثالثًا افتتح مشروعًا، ورابعًا سافر، وخامسًا اشترى منزلًا
ولا يرى الليالي التي بكى فيها كل واحد منهم، ولا مخاوفهم، ولا إخفاقاتهم، ولا الطرق التي اضطروا إلى تغييرها
نحن لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين، بل نقارن كواليسنا بمنصاتهم
وهذه مقارنة لا يمكن أن تكون عادلة
ثمة فكرة تؤذينا أكثر مما نتخيل…
أننا نبحث عن أنفسنا وكأنها شيء مفقود
فنقول: أريد أن أجد نفسي
لكن هل النفس تُعثر عليها صدفة؟
أم أنها تُبنى؟
الهوية ليست كنزًا مدفونًا نكتشفه، بل بيتًا نشيده حجرًا بعد حجر
كل كتاب تقرؤه يضع حجرًا
كل عادة حسنة تبني جدارًا
كل صلاة بخشوع ترفع سقفًا
كل موقف صعب تتجاوزه يثبت أساسًا
وكل مرة تنهض فيها بعد سقوطك، فإنك لا تعود الشخص نفسه، بل تصبح نسخة أكثر صلابة
لهذا لا تبحث عن نفسك…
ابنها
ولأننا لا نعرف من نكون، نسمح للناس أن يخبرونا بذلك.
مرة يخبروننا أن النجاح هو المال
ومرة يقولون إنه الشهرة
ثم يصبح النجاح وظيفة مرموقة، أو شهادة، أو عدد المتابعين، أو منزلًا أكبر، أو سيارة أحدث
فنركض خلف تعريفات الآخرين حتى نتعب
ثم نصل…
فنكتشف أن التعب كان أطول من السعادة
الإنسان الذي لا يحدد بنفسه معنى النجاح، سيقضي عمره يحقق نجاحات لا تشبهه
والضياع…
ليس دائمًا علامة سيئة
أحيانًا يكون الضياع إعلانًا بأن النسخة القديمة منك لم تعد تكفي
فالطفل يضيع حين يكبر
والأفكار تضيع حين تنضج
والإنسان يضيع قبل أن يعثر على وجهته
ولولا الحيرة، لما وُلد اليقين
لكن كيف نرسم طريقنا؟
ليس بأن نكتب خطة لعشر سنوات
بل بأن نعرف أولًا من الذي يمسك القلم
قبل أن تسأل: ماذا سأفعل؟
اسأل:
من أريد أن أكون؟
فالأفعال تتغير، أما المبادئ فهي التي تبقى
قد يتغير تخصصك
وقد تتغير مهنتك
وقد تتغير المدينة التي تعيش فيها
لكن إن بقي صدقك، وأمانتك، ورحمتك، وشغفك بالعلم، فلن تتيه طويلًا
ثم اجلس مع نفسك جلسة صادقة
لا تسألها عما تتمناه فقط
بل عما تستطيع أن تلتزم به
فالأحلام الكبيرة لا تتحقق بالحماس
بل بالعادات الصغيرة
اقرأ عشر صفحات كل يوم
تعلم مهارة جديدة كل شهر
امشِ ساعة
اكتب أفكارك
صلِّ في وقتها
نم مبكرًا
هذه الأشياء تبدو عادية جدًا
لكن الحياة في حقيقتها ليست إلا مجموعة من الأشياء العادية التي تكررت حتى صنعت إنسانًا مختلفًا
ولا تجعل مشاعرك قائدًا للطريق
المشاعر رائعة…
لكنها متقلبة
اليوم تقول لك: استسلم
وغدًا تقول: أكمل
ولو اتبعتها كل مرة، لما وصلت إلى مكان
اجعل القيم هي القائد
أما المشاعر، فلتكن رفيقًا في الرحلة، لا سائقًا لها
وإياك أن تجعل الإخفاق تعريفًا لنفسك
أنت لست درجتك ولا وظيفتك ولا عدد المرات التي فشلت فيها الفشل حدث
وليس هوية وكثير من الناس لم يصلوا لأنهم كانوا الأذكى، بل لأنهم كانوا الأكثر قدرة على النهوض بعد كل سقوط
ثم هناك أمر يغفل عنه كثيرون…
أن الطريق لا يُعبد بالسرعة
بل بالثبات
النهر لا يشق الجبال لأنه الأقوى
بل لأنه لا يتوقف عن الجريان
وكذلك الإنسان
الخطوات الصغيرة التي تتكرر كل يوم، تصنع ما لا تصنعه القفزات الكبيرة المؤقتة
وفي نهاية المطاف…
ستكتشف أن العشرين لم تكن مرحلة لإنجاز كل شيء
بل كانت مرحلة لتتعلم كيف تعيش
كيف تخسر دون أن تنكسر
وكيف تنتظر دون أن تيأس
وكيف تحلم دون أن تنفصل عن الواقع
وكيف تحب دون أن تذوب
وكيف تعمل دون أن تجعل قيمتك فيما تعمل
وكيف تعود إلى الله كلما شعرت أن الطرق تشعبت بك
فالإنسان قد يحتار في اختيار الطريق، لكنه لا يحتار إذا عرف من يقوده
ومن جعل الله بوصلة قلبه، فلن يضره أن يتأخر الوصول؛ لأن الوصول عنده ليس إلى وظيفة، ولا إلى منصب، ولا إلى لقب، بل إلى حياةٍ يرضى عنها الله، ويطمئن بها القلب.
لذلك..إن كنت اليوم في العشرين، وتشعر أنك متأخر، أو ضائع، أو خائف من المستقبل، فلا تجعل هذا الشعور حكمًا على بقية عمرك
فربما كانت هذه الحيرة هي أول خطوة في الطريق الصحيح
وربما لم تكن الحياة تؤخرك عن أحلامك…
بل كانت تؤخرك حتى تصبح أهلًا لها



مقال جميل اللهم بارك استفدت من كل حرف
منطقي ، واقعي ، إبداعي
بارك الله فيكِ و زادكِ من فضله.