في داخلي أرضٌ لا تُرى، لكنها تمتدّ أكثر مما يحتمل وصف، صحراء ليست من رملٍ فقط بل من شعورٍ تأخر، ومن كلماتٍ لم تُقل، ومن أشياء كثيرة كان يمكن أن تكون ولم تكن
لم أولد هكذا، لم أكن قاحلة منذ البدء، بل كنتُ أرضًا طيّعة، تُصدّق الغيم سريعًا، وتفتح مسامّها لكل وعدٍ يشبه المطر
لكن شيئًا فشيئًا لم يعد الأمر انتظارًا فقط، بل صار تراكمًا تراكمُ صمتٍ لم يُكسر، تراكمُ دموعٍ لم تُبك، تراكمُ مواقفَ مرّت وكأنها عادية بينما كانت تترك في داخلي أثرًا لا يُرى كنتُ أظن أنني بخير، أو على الأقل أستطيع التحمّل، لكن الحقيقة التي تأخرت في الظهور: أن كل ما لم يُقال يبقى، وكل ما لم يُعاش كما ينبغي يتكدّس حتى أصبحتُ ممتلئة ليس امتلاءً يُشبه الحياة بل امتلاءً يُشبه الاختناق، كأن داخلي حبالٌ من مشاعر تشدّني من كل اتجاه،تضيق
تضيق حتى لا أجد في صدري مساحةً لنفسي
وفي تلك اللحظات، لا أبحث عن حل بل عن فعل
شيءٌ واحد فقط يُثبت لي أنني ما زلت أستطيع أن أتحكم، أن أُغيّر، أن أُفرغ هذا الذي لا يُحتمل
فأفزع إلى شعري ليس لأنه السبب، ولا لأنه يستحق، بل لأنه الأقرب الأقرب لما أملكه، والأسرع استجابةً ليدي المرتجفة
أقصّه، وكأنني أقطع من هذا الثقل شيئًا، وكأن كل خصلةٍ تسقط تحمل معها شعورًا أثقل من قدرتي
في تلك اللحظة أشعر بشيءٍ يشبه الراحة، راحةٌ قصيرة، حادّة، تشبه الصمت بعد صراخٍ طويل
لكنها لا تدوم يعود كل شيء، لكن بهدوءٍ أكثر قسوة، كأن المشاعر التي قُصّت لم تختفِ، بل اختبأت
ومن هنا بدأت أرى داخلي بشكلٍ مختلف لم يعد مجرد صحراء تنتظر المطر،بل صحراءٌ تتراكم فيها الغيوم ولا تمطر زرعتُ في داخلي نبتةً، كما يفعل كل من يؤمن بالحياة، لكنها الآن لم تعد تبحث فقط عن الماء، بل عن نجاة مرّت الغيوم، مرّت فرصٌ كثيرة، بعضها اقترب، بعضها أوهمني، وبعضها لم يكن لي من الأساس، لكن الأثر بقي ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتألم فقط من الجفاف بل من هذا الامتلاء الذي لا يُرى
أمشي، أبتسم، أتحدث، لكن داخلي مزدحم، مزدحمٌ بي بكل النسخ التي لم تُفهم، بكل المشاعر التي لم تُحتوَ، بكل اللحظات التي قلتُ فيها عادي وكانت تعني أنا أتألم أصبحتُ شيئًا بين حالتين: لا أنا التي انفجرت فارتاحت، ولا أنا التي هدأت فاستقرّت أعيش في المنتصف، حيث لا وضوح، ولا نهاية،ولا بداية حقيقية
أحاول أن أكون لنفسي ما لم أجده، أن أحتويني، أن أُقنع روحي أن الاكتفاء ممكن، لكنني، في لحظات صدقٍ مؤلمة، أدرك أن بعض ما في داخلي لم يُخلق ليُحتوى وحده
______________________
هل ما أفعله بشعري تفريغ؟ أم صرخة صامتة لا يسمعها أحد؟
أدرك الآن أنه ليس تفريغًا، بل صرخة خرجت بلا صوت، لغة بديلة اخترتها حين عجزت عن التعبير، وأتعلم أن أستبدلها بالكلام ولو كان مرتبكًا، أو بالكتابة حتى لو كانت فوضى
هل أنا أهرب أم أحاول النجاة؟
ربما كنت أفعل الاثنين معًا أهرب من ثقل الشعور وأحاول النجاة بطريقتي المحدودة
لماذا لا أستطيع البكاء حين أحتاج؟
لأنني اعتدت أن أكون قوية أكثر مما ينبغي حتى جفّ التعبير داخلي
هل المشكلة أنني أشعر كثيرًا أم أنني لا أُعبّر كما ينبغي؟
ولماذا يبدو أن كل ما فيّ يريد أن يُفهم، لكن لا شيء يُقال؟
ومع كل هذا أنا لا أبحث عن كمال ولا عن شفاءٍ مفاجئ أنا فقط أحاول أن أكون ألطف مع نفسي أن أفهمها
وإن كانت الغيوم لا تمطر، فهل أستطيع أن أتعلم كيف أُمطر أنا؟
وإن قصصتُ شعري مرةً أخرى هل سيتخفف قلبي، أم أنني سأبقى كما أنا، ممتلئة بما لا يُقصّ؟
ومع كل هذا ما زلت هنا
ما زلت أحتفظ بنبتةٍ صغيرة، لم تمت رغم كل هذا التأخر، وما زلت في مكانٍ ما داخلي، أؤمن أن ما يتراكم يمكن أن يُفهم و أن يهدأ لكن السؤال الذي يبقى
بلا إجابةٍ واضحة
متى أصل إلى نفسي
قبل أن أؤذيها أكثر؟


قلتي ما بداخلنا جميعاً والله صدقتي في كل كلمة ولكن الآن هل في أمل نعالج كل هذه الكدامات التي اختبئت في صدورنا أم ستفضل حبيسه إلي الأبد؟؟؟
👏🏻👏🏻❤️