ليس كل صمتٍ هدوء، ولا كل سكوتٍ راحة
هذه حقيقة لم أفهمها إلا بعد أن عشت زمناً طويلاً أظن فيه أن الصامتين أكثر الناس طمأنينة. لكنني اكتشفت مع الأيام أن الصمت قد يكون الوجه الآخر للامتلاء، وأن أكثر الأرواح ضجيجاً قد تبدو للناس أكثرها سكوناً
أحياناً يكون الإنسان ممتلئاً إلى درجة يعجز معها عن الكلام، لا لأن الكلمات قليلة، بل لأن ما يشعر به أكبر من أن تحمله الكلمات أصلاً
في داخل كل إنسان عالمٌ كامل لا يراه أحد؛ طرق طويلة من الذكريات، وغرف مغلقة من المشاعر، وأحاديث لم تكتمل، وأسئلة بقيت معلقة بين القلب والعقل سنواتٍ دون أن تجد جواباً وكلما تراكم هذا العالم الداخلي، أصبح التعبير عنه أصعب
ولهذا لا يبدأ الصمت فجأة يتسلل إلى الإنسان بهدوء — يبدأ بمحاولة شرح لم تكتمل، ثم بخيبة لم تجد من يفهمها، ثم بموقف شعر فيه المرء أن ما في داخله أعمق من أن يُروى، فآثر الاحتفاظ به على إخراجه ناقصاً
وهكذا يتراجع الإنسان خطوة صغيرة عن الكلام، ثم خطوة أخرى، ثم يعتاد المسافة، حتى يأتي يوم لا يعود فيه الصمت قرارا، بل يصبح جزءاً من شخصيته
يتعلم الإنسان بعدها أن يحمل أشياء كثيرة وحده.
يحمل فرحه بصمت، وحزنه بصمت، وخيباته بصمت.
بل حتى انتصاراته الصغيرة يحتفظ بها لنفسه، وكأن روحه اعتادت أن تكون بيتاً للأشياء كلها
والغريب أن الصمت لا يكون فارغاً أبداً. فالصامت لا يعيش في فراغ، بل وسط حشد من الأصوات الداخلية — أحاديث كان يريد أن يقولها، ومواقف يعيد ترتيبها كل ليلة، وكلمات يتمنى لو نطق بها، وأخرى يحمد الله أنه لم ينطقها
ولعل من أقسى ما في الصمت أن الآخرين يظنون أنه راحة
يرون الوجه الهادئ ولا يرون العاصفة
يرون السكون ولا يرون الصراع
فكم من شخص جلس بين الناس ساكناً بينما كان داخله يركض في ألف اتجاه. وكم من إنسان بدا مطمئناً للعيون، بينما كان يحمل من التعب ما لو وُزِّع على الأيام لأثقلها
لهذا لا أؤمن أن الصمت دائماً ضعف، بل أراه في أحيان كثيرة نوعاً من الاحتمال. فالروح حين تتعب من التبرير، ومن شرح نفسها مرة بعد أخرى، تختار أن تصمت — ليس لأنها استسلمت، بل لأنها أرهقت
لكن للصمت وجها آخر لا يعرفه إلا أصحابه. وجه مؤلم حين تتراكم الكلمات غير المقولة حتى تصبح أثقل من تلك التي قيلت. حين يتحول الصمت من ملجأ إلى عبء، ومن راحة إلى حيرة
وهنا يجلس الإنسان مع نفسه متسائلاً:
هل كان ينبغي أن أتكلم؟
هل كان صمتي حكمة أم خوفاً؟
هل حفظني أم حبسني؟
أسئلة لا تملك إجابات ثابتة، لأن الصمت نفسه ليس شيئاً واحداً — مرة يكون نجاة، ومرة يكون تعباً، ومرة يكون نضجاً، ومرة يكون جرحاً يتخفى في هيئة هدوء
ومع ذلك، يبقى للصمت معنى لا أستطيع إنكاره. ففي زمن يكثر فيه الكلام، يصبح الصمت أحياناً المكان الوحيد الذي أسمع فيه نفسي بصدق. هناك، بعيداً عن ضجيج الناس، أواجه خوفي، وأرتب فوضاي، وأفهم أشياء لم أكن لأفهمها لو غطّاها صخب الحياة
ولهذا أعتقد أن الصمت ليس غياب الصوت، بل حضور داخلي مكثف — لغة خفية يفهمها القلب حين يعجز اللسان، ويفهمها الشعور حين تخونه الكلمات
بعض الناس لا يصمتون لأنهم لا يملكون ما يقولون
بل لأن في داخلهم ما هو أعمق من أن يُقال بسهولة
وبعض الصمت ليس فراغاً — بل هو كل ما أراد أن يُقال، ولم يجد من يتحمّل سماعه



اتفق مع كلامك و تسلم ايدك علي هل مقال 🤍
العقول لا تصمت ابدا كالقلوب