هناك أسئلة لا تُطرَح عبثًا، ولا تُقال بصوتٍ عابر أسئلة، حين تخرج، تكون قد نضجت في الداخل زمنًا، وآن أوانها ومن بين هذه الأسئلة، يظل سؤال:
“من أكون؟”
“أو”من أنا؟
أحد أكثرها حدّة، وأصدقها في آن ليس الجميع يُحب هذا السؤالين, بل إن بعضهم يُفضّل أن يبقى حيث هو، في منطقةٍ آمنة،لا تزعجه تلك الأسئلة التي تفتح نوافذ لا يمكن إغلاقها بسهولة في حديثٍ عابر، قالت إحداهن:“كنتُ أركض نحو فهمي لذاتي،
وحين التفتُّ يومًا، شعرتُ أنني قد دعستُ وجوهًا كانت لي…
كان ذلك التعبير كفيلًا بأن يجعل المرء يُعيد التفكير:هل السعي للعمق نوع من الخيانة للنسخ السابقة منّا؟هل نكبر على حساب أرواحنا القديمة؟والإجابة ليست سهلة، لكنها ليست سوداوية أيضًا في رحلة الإنسان لفهم ذاته، لا بدّ أن يمر على محطاتٍ فيها من القسوة بقدر ما فيها من الصدق.سيتأمل قراراته السابقة، سيتعامل مع أخطائه،سيشعر بالشفقة على نفسه أحيانًا، وبالامتنان لها أحيانًا أخرى لكن هذا لا يعني أنه يهدم ذاته،بل يعيد ترتيبها، وفهمهّا ، ويُخرج منها ما لا يشبهه في المقابل، من يختار البقاء بعيدًا عن العمق،غالبًا لا يفعل ذلك جهلًا، بل خوفًا الخوف من مواجهة ما قد لا يُعجبه، أو من اكتشاف جزءٍ منه لم يكن يعلم بوجوده ومع ذلك، لا يُمكن لأحد أن يعرف نفسه حقًا دون أن يخوض هذا الحوار الداخلي حتى لو لم يُجِب عن كل شيء،يكفي أنه تجرأ على السؤال فالمعرفة تبدأ من هنا: من لحظة الصدق مع النفس لا تحتاج أن تكون في عزلة، ولا أن تكون شاعرًا أو فيلسوفًا،يكفي أن تقف أمام نفسك، وتسألها بهدوء:ما الذي فيّ هو أنا؟
وما الذي جئتُ به من الناس، والمجتمع، والتجارب؟
هذا هو العمق الحقيقي أن تعرف ما لك، وما علق بك دون أن تنتبه وفي النهاية، لا أحد يُولد وهو يعرف من يكون،لكن البعض يمضي العمر باحثًا عن تلك المعرفة،والبعض الآخر يكتفي بصورةٍ مزيفة عن ذاته، طالما أنها تُرضي الناس وشتّان بين الطريقين طريقٌ يسلكه من أراد أن يعرف ذاته حقًا،ولو كلّفه ذلك مواجهة الألم، والتجرّد من الزيف،والمرور على أطلال نسخٍ منه سقطت في الطريق وطريقٌ آخر، يسلكه من خشي الحقيقة،فاكتفى بصورة مُجمّلة عن نفسه،وعاش في سلامٍ هشّ، لا يُزعجه السؤال، لكنه لا يُنبت فيه معرفة شتّان بين من اختار أن يغوص ليُضيء الداخل، ومن اكتفى بالوقوف عند سطحه، مُدّعيًا الاكتمال لكن لا بدّ من القول:ليس الجميع يملك القُدرة على الغوص في ذاته فبعض القلوب تحمل ما يكفي من الندوب، وأيّ محاولةٍ للتأمل العميق قد تفتح أبوابًا لا يستطيعون إغلاقها فإن ابتعد أحدهم عن العمق، فليس دائمًا عن ضعف، بل ربما لأنه يقف على حافةٍ هشّة، وكل ما يريده هو أن يبقى واقفًا لهذا، لا يصح أن نُقارن السائر بثقةٍ في داخله، بمن يحاول النجاة من نفسه كل يوم
فلكلٍّ منا مع ذاته معركة مختلفة، ووتيرة نجاة لا تُشبه غيره


